ويلفرد تسيجر

24

رحلة إلى عرب أهوار العراق

الأسطورية التي لا يستطيع أي فرد أن ينظر إليها ويبقى سليم العقل . ولكن ، سرعان ما أدركت بأنني أنظر إلى أرض واسعة مفروشة بالقصب . كما رأيت زورقا أنيقا مطليا بالسواد ، له مقدمة عالية ، يرسو أمامي - هذا هو زورق الشيخ الحربي جاءوا به لنذهب سوية لمشاهدة الأهوار . وقبل أن تبنى القصور الأولى في أور ، كان الرجال يخرجون من مثل هذا البيت عند الفجر يبحرون بمثل هذه الزوارق من أجل الصيد . اكتشف المستر فولي Voolley . مساكنهم ونماذج من زوارقهم المدفونة تحت أعماق خرائب السومريين . وهذه المكتشفات هي أكثر قدما من عهد الطوفان . فهنا يكمن تأريخ خمسة آلاف سنة ، والزوارق لا تزال باقية على شكلها القديم . بقيت ذكريات زيارتي الأولى إلى الأهوار عالقة في مخيلتي تأبى أن تغادرني . وما تلك الذكريات إلّا عبارة عن ألسنة النار المسلطة على أنصاف الوجوه ، وصياح الأوز ورفرفة أجنحة البط وهي تهمّ بالطيران لتبحث عن الطعام ، وصوت صبي يغني يأتي من مكان بعيد في الظلمات ، وحفيف الزوارق وهي تمخر المياه في احتفال مهيب وموكب بديع ، مغيب الشمس التي تظهر للعيان بلون قرمزي من خلال الدخان المتصاعد من إشتعال القصب ، والطرق النهرية الضيقة التي تتلوّى نحو أعماق الأهوار ، منظر رجل عار في الزورق ورمحه ( فالته ) بيده . الطرائف المشيدة فوق المياه ، والجواميس السوداء المستحمة بالمياه ، والتي تبدو كأنها عجول البحر خرجت من المستنقعات إلى أول أرض يابسة ، ولألأة النجوم من السماء نراها منعكسة على المياه الداكنة وأصوات نقيق الضفادع كأنها أنغام موسيقية والزوارق والمشاحيف وهي عائدة في المساء ، والسلام المتواصل والهدوء والسكينة في عالم الأهوار الذي لا يعرف المكائن والآلات وضجيجها . ومرة أخرى شدّني الشوق لأسهم في هذا النمط من الحياة ، وأن أكون هذه المرة أكثر من مجرد شخص متفرج .